التلوّث في الخليج العربي
05-08-2010 11:16 AM
يكاد تلوث مياه خليج المكسيك بفعل تسرُّب النفط من منصة التنقيب التابعة لشركة النفط البريطانية يتسبَّب في أكبر كارثة بحرية في تاريخ الولايات المتحدة, فبقعة الزيت تكبر بسرعة، ووصلت مساحتها إلى عشرة آلاف كيلو متر مربع، وهي في اتساع، وهي الآن تهدد سواحل أربع ولايات أمريكية جنوبية, بل البعض يتوقع أن هذه الكارثة البيئية ستتجاوز في حجمها وخسائرها البيئية كارثة كاترينا المعروفة. وما زالت الشركة البريطانية المالكة للمنصة في حيرة من أمرها، لأنها تواجه صعوبات فنية ومناخية من أجل السيطرة على تدفق النفط وكيفية التعامل مع ما هو موجود منه في المياه، وأيضا كيفية التعامل مع الأجزاء من البقعة النفطية التي بدأت تصل إلى السواحل الجنوبية من الولايات المتحدة. فكل المؤشرات تقول إننا أمام كارثة بيئية كبيرة، وإن نتائج هذه الكارثة ستؤثر كثيرا في عمليات التنقيب في البحار, فحكومة الرئيس أوباما أمرت بإيقاف عمليات التنقيب في المياه الأمريكية انتظارا لنتائج التحقيقات في الأسباب التي أدت إلى وقوع هذه الكارثة.
بالطبع هذه الكارثة البحرية أثارت مرة أخرى انتباه العالم إلى موضوع تلوّث البحار لما يشكله هذا الموضوع من أهمية بيئية، ليس فقط على المكونات الطبيعية للبحار، وإنما أيضا آثارها التي قد تمتد حتى إلى اليابسة وهذا يعني أن لها آثارا اقتصادية كبيرة في الدول المطلة عليها. ومن البحار التي تعاني مشكلة التلوّث يأتي الخليج العربي في مقدمتها. فهذا الخليج هو من البحار الصغيرة في العالم وشبه المغلقة, فمساحته لا تتجاوز 230 ألف كيلومتر مربع, ولا تتجاوز كمية المياه فيه ثمانية آلاف كيلومتر مكعب, أما طوله فلا يتجاوز ألف كيلومتر، وأقصى عرض فيه هو 340 كيلومترا وأقصر عرض هو في حدود 60 كيلومترا، وأما عمقه فهو لا يتجاوز 90 متر. ولكن هذا البحر الصغير هو ممر استراتيجي في العالم، حيث يمر به أكثر من 40 في المائة من إنتاج العالم من النفط وعلى ضفافه أكثر من 26 مرسى للشحن وهناك عشرات المحطات لتحلية المياه. ويستقبل هذا الخليج ما يقرب من 35 ألف ناقلة نفط سنويا. كل هذه الأمور جعلت من الخليج العربي الأكثر تلوثا من بين بحار العالم, بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن مياه الخليج العربي ملوثة بمعدل 50 مرة أكثر من المعدل العالمي للتلوث في البحار الأخرى.
فالخليج العربي وبهذا القدر الكبير من التلوث مقارنة بغيره من البحار يعد خسارة بيئية كبيرة لدول المنطقة وللعالم كافة، لأن هناك تيارات بحرية في أعماق المياه تنقل مثل هذا التلوث إلى البحار والمحيطات الأخرى. ومياه الخليج العربي تحوي ثروة سمكية عظيمة ولا تقدر بثمن، وأن التلوث وبهذه النسب الكبيرة هو الآن يشكل تهديدا غير مسبوق لهذه الثروة البحرية. فأكثر من نصف أنواع سمك الهامور المعروفة لشعوب منطقة الخليج هي اليوم غير موجودة وربما انقرضت بفعل هذا التلوث, وهناك دراسات تذكر بأن اللؤلؤ الذي تشتهر به مياه الخليج هو الآخر قد انقرض, وهناك الكثير من الطيور المهاجرة التي ما عادت ترتاد سواحل هذا الخليج، وكل هذا له تبعات بيئية وخسائر اقتصادية. ولا نستطيع أن ننسى ما يتسبب فيه التلوث من مشكلات وصعوبات على عمل محطات التحلية التي تشكل المصدر الرئيس لإنتاج المياه المحلاة لدول الخليج. فالتلوث النفطي يفسد مياه الخليج ويخرب بيئة قاعه والتي هي موطن الأحياء والنباتات المائية التي تشكل مصدرا غذائيا مهما للأسماك والكثير من الحيوانات البحرية.
صحيح أن النفط ليس هو الملوث الوحيد لمياه الخليج, فهناك مصادر عديدة أخرى للتلوث، ولكن يبقى النفط هو العامل الأكبر في تلوث مياه الخليج. فهناك دراسات تؤكد أن 77 في المائة من التلوث النفطي تتسبب فيه الناقلات النفطية. فهذا العدد الكبير جدا من الناقلات التي تجوب مياه الخليج هو الذي، بطريقة أو أخرى، يتسبب في تلوث المياه. يكفي أن الناقلات وعندما تتخلص من المياه الموازنة قبل الشحن فإنها بهذه العملية تتسبب في تسرب كميات كبيرة من النفط إلى المياه, ولو حسبنا هذه الكميات مقارنة بعدد الناقلات التي تدخل الخليج لتبين أنها كميات كبيرة فعلا.
إن حماية مياه الخليج العربي من التلوث مسؤولية دول المنطقة وإن مصير الثروة السمكية وسلامتها بات اليوم في مستويات خطرة، وبالتالي فالمسألة ليست بيئية فقط وإنما تهديد حقيقي للثروة السمكية, فعليه يكون التعاون الإقليمي مطلوبا لحماية مياه الخليج، ولا بد لهذا الموضوع أن يأخذ كثيرا من اهتمامنا. نحن في حاجة إلى تفعيل دور الجامعات الخليجية والمراكز البحثية الإقليمية والدولية لرصد هذا التلوث وإعداد التقارير العلمية واقتراح الحلول العملية لمساعدة أصحاب القرار في حكومات المنطقة للقيام بدورها في حماية البيئة الطبيعية للخليج العربي. فالخليج العربي بمقدار ما هو مهم للعالم باعتباره الممر الاستراتيجي لإمدادات الطاقة لدول العالم إلا أنه مهم ومهم جدا أيضا لدول المنطقة بيئيا واقتصاديا، ولن يهتم العالم بمسألة البيئة، ولن تلقي دول العالم بالا للحفاظ عليه، إن لم نهتم نحن - دول المنطقة - بهذا الموضوع.
إن كارثة البقعة النفطية في خليج المكسيك بلا شك ستثير اهتمام العالم بخصوص تلوث البحار وستكون هناك نتائج مهمة تترتب عليها، وعلينا في المنطقة أن نشارك دول العالم في الاستفادة من نتائج هذه الكارثة للحفاظ على بيئة مياه الخليج العربي.
الاقتصادية السعودية
خدمات المحتوى
|
تقييم
محتويات مشابهة/ق
الاكثر تفاعلاً
الاكثر مشاهدةً
الاكثر تفاعلاً/ق
|